٥١٢)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
المسألة الحادية عشرة: عدالة الصحابة كلهم
صحابة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هم المسلمون الأوائل الذين رأوا النبي الأكرم
(صلى الله عليه وآله)
وتشرفوا بكرامة الصحبة، وتحملوا جانبا مهما في عملية نشر الدعوة الإسلامية،
وبذل جمع منهم النفس والنفيس في نشر الإسلام، حتى امتد إلى أقاصي المعمورة
فأقاموا أسسه، وشادوا بنيانه، ورفعوا قواعده بجهادهم المتواصل، وبلغوا ذروة
المجد باستسهال المصاعب، فلولا بريق سيوفهم، وقوة سواعدهم، وخوضهم
عباب المنايا، لما قام للدين عمود، ولا اخضر له عود.
ولما كان الكتاب والسنة هما المصدرين الرئيسيين عند المسلمين جميعا،
والشيعة منهم، وبهدي نورهما يسترشد في استشراف الحقائق الثابتة التي لا غبار
عليها، فإن التأمل في هذين المصدرين الغدقين يبين مدى فضل أولئك ومنزلتهم في
الإسلام.
ولعل المتأمل في الكتاب والسنة يجد مدى ما يحفى به الصحابة الصادقون من
ثناء وتكريم، ومن تلا آيات الذكر الحكيم حول المهاجرين والذين اتبعوهم
بإحسان، لا يملك نفسه إلا أن يغبط منزلتهم وعلو شأنهم، بل ويتمنى من صميم
(٥١٣)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
قلبه أن يكون أحدهم ويدرك شأنهم، ومن استمع للآيات النازلة في الذين بايعوا
رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة أو أصحاب سورة الفتح ( ١) فلا بد أن
تفيض عيناه دمعا
ويرتعش قلبه شوقا نحو تلك الثلة المؤمنة التي صدقت ما عاهدت الله عليه
ورسوله (صلى الله عليه وآله).
فإذا كان هذا حال الصحابة في الذكر الحكيم فكيف يتجرأ مسلم على تكفير
الصحابة ورميهم بالردة والزندقة أو تفسيقهم جميعا؟ {سبحانك هذا بهتان
عظيم}.
وكيف يستطيع أن يصور دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) ضئيلة الفائدة أو يتهمه بعدم
النجاح
في هداية قومه وإرشاد أمته، وأنه لم يؤمن به إلا شرذمة قليلة لا يتجاوزون عدد
الأصابع، وأن ما سواهم كانوا بين منافق ستر كفره بالتظاهر بالإيمان، أو مرتد
على عقبيه القهقرى بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
كيف يجوز لمسلم أن يصف دعوته ويقول: إنه لم يهتد ولم يثبت على الإسلام
بعد مرور ( ٢٣ ) عاما من الدعوة إلا ثلاثة أو سبعة أو عشرة. إن هذا ليس إلا هراء
وكذب رخيص لا تقبله العقول.
والأنكى من ذلك كله أن يرمى الشيعة بهذا التقول الممجوج، وأن تجد من
يصدق ذلك ويرتب على أساسه مواقف وآراء، وإنا نسأل أولئك عن هذا فنقول
لهم: أي شيعي واع ادعى ذلك؟ ومتى قال؟ وأين ذكره؟ إن الشيعة بريئة من هذه
التخرصات، وما هذه الحكايات السقيمة إلا جزءا من الدعايات الفارغة ضد
الشيعة والتي أثارها الأمويون في أعصارهم، ليسقطوا الشيعة من عيون المسلمين،
وتلقفتها أقلام المستأجرين لتمزيق الوحدة الإسلامية، وفصم عرى الأخوة.
وترى تلك الفرية في هذه الأيام في كتيب نشره الكاتب أبو الحسن الندوي أسماه
____________________
١) لاحظ الآيتين ١٨ و ٢٩ من سورة الفتح، ففيهما إشارة واضحة إلى ما تحدثنا عنه. )
(٥١٤)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
ب " صورتان متعارضتان ". وهو يجتر ذلك مرة بعد أخرى، وما يريد من ذلك إلا
زيادة الأمة فرقة وتمزيقا.
نعم وردت روايات في ذلك، ولكنها لا تكون مصدرا للعقيدة، ولا تتخذ
مقياسا لها، لأنها روايات آحاد لا تفيد علما في مجال العقائد، وستوافيك دراسة
متونها وأسانيدها.
إنا لو أحصينا المهتدين في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم لتجاوز
عددهم
العشرات، بدءا من عمه أبي طالب ومرورا بصفية عمته، وفاطمة بنت أسد،
وبحمزة والعباس وجعفر وعقيل وطالب وعبيدة بن الحارث " شهيد بدر " وأبي
سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وجعدة بن أبي هبيرة وأولادهم وزوجاتهم،
وانتهاء بعلي (عليه السلام) وأولاده وبناته وزوجته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.
أما الذين استشهدوا في عهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فهم يتجاوزون المئات، ولا
يشك
أي مسلم في أنهم كانوا مثال المؤمنين الصادقين الذين حولهم الإسلام وأثر فيهم،
فضربوا في حياتهم أروع الأمثلة في الإيمان والتوحيد والتضحية بالغالي والنفيس،
خدمة للمبدأ والعقيدة. ولعل الاستعراض المتعجل لمجموع تلك الأسماء لا يملك إلا
أن يجزم بصحة ما ذهبنا إليه من القول بمكانة أولئك الصحابة ابتداء بآل ياسر الذين
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لهم وهو يسمع أنينهم تحت سياط التعذيب: "
صبرا آل
ياسر إن موعدكم الجنة " ( ١)، ومرورا بمن توفي في مهجر الحبشة وشهداء بدر
وأحد، وقد استشهد في معركة أحد سبعون صحابيا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
يزورهم
ويسلم عليهم، ثم شهداء سائر المعارك والغزوات، حتى قال النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله) في
حق سعد بن معاذ شهيد غزوة الخندق: " اهتز العرش لموته "، وشهداء بئر معونة
( والتي يتراوح عدد الشهداء فيها بين ( ٤٠ ) حسب رواية أنس بن مالك و ( ٧٠
____________________
٣٢٠ طبعة الحلبي. : ١) السيرة النبوية لابن هشام ١ )
(٥١٥)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
حسب رواية غيره، إلى غير ذلك من الأصحاب الصادقين الأجلاء الذين:
{صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا
تبديلا} ( ١)، {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم
إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ( ٢)، {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من
ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله...
والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في
صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن
.( يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ( ٣
أو ليست هذه الآيات تثبت نجاح النبي (صلى الله عليه وآله) في دعوته، وأنه اجتمع حوله
رجال
صالحون ومخلصون، فكيف يمكن رمي مسلم يتلو الذكر الحكيم ليل نهار باعتقاده
بخيبة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في دعوته وتهالكه في هداية أمته. إن الموقف
الصحيح من
الصحابة هو ما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):
" أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن
التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على
المنية وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟ أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه
وتدبروا الفرض فأقاموه. أحيوا السنة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا،
.( ووثقوا بالقائد فاتبعوه " ( ٤
وليس ما جاء في هذه الخطبة فريدا في كلامه، فقد وصف أصحاب
____________________
. ١) الأحزاب: ٢٣ )
. ٢) آل عمران: ١٧٣ )
.٩ - ٣) الحشر: ٨ )
. ٤) نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢ )
(٥١٦)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم صفين، يوم فرض عليه الصلح بقوله:
" ولقد كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما
يزيدنا
ذلك إلا إيمانا وتسليما، ومضيا على اللقم، وصبرا على مضض الألم، وجدا في
جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين،
يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة
لعدونا منا. فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى
استقر الإسلام ملقيا جرانه ومتبوئا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام
.( للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود " ( ١
هذه كلمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قائد الشيعة وإمامهم، أفهل يجوز لمن
يؤمن بإمامته أن يكفر جميع صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) أو يفسقهم أو ينسبهم إلى
الزندقة
والإلحاد أو الارتداد، من دون أن يقسمهم إلى أقسام، ويصنفهم أصنافا ويذكر
تقاسيم القرآن والسنة في حقهم!! كلا وألف كلا.
وهذا هو الإمام علي بن الحسين يذكر في بعض أدعيته صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)
ويقول: " اللهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) خاصة الذين أحسنوا الصحبة،
والذين أبلوا
البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته،
واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار
كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين
على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ
تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم
اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك
____________________
. ١) نهج البلاغة، الخطبة ٥٦ )
(٥١٧)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم،
وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من
مظلومهم.
اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا
.( ولإخواننا... " ( ١
فإذا كان الحال كذلك، واتفق الشيعي والسني على إطراء الذكر الحكيم
للصحابة والثناء عليهم، فما هو موضع الخلاف بين الطائفتين كي يعد ذلك من أعظم
الخلاف بينهما؟
إن موضع الخلاف ليس إلا في نقطة واحدة، وهي أن أهل السنة يقولون بأن
كل من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) وعاشره ولو يوما أو يومين فهو محكوم بالعدالة
منذ اللقاء إلى
يوم أدرج في كفنه، ولو صدر منه قتل أو نهب أو زنا أو غير ذلك، محتجين بما نسب
إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم " وفي
ذلك خلل كبير
أعاذ الله المسلمين منه، فالتاريخ بين أيدينا، وصفحاته خير شاهد على ما نقول،
ونحن لا نقول كما قال الحسن البصري: " طهر الله سيوفنا عن دمائهم، فلنطهر
ألسنتنا "، لأنا لا نظن أن الحسن البصري يعتقد بما قال بل إنه تدرع بهذه الكلمة
وصان بها نفسه عن هجمات الأمويين الذين كانوا يروجون عدالة الصحابة في
جميع الأزمنة، بل يلبسونهم ثوب العصمة، إلى حد كان القدح بالصحابي أشد من
القدح برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنفي العصمة عن النبي (صلى الله عليه وآله)
واتهامه بالذنب قبل بعثه وبعده
كان أمرا سهلا يطرح بصورة عقيدة معقولة ولا يؤاخذ القائل به، وأما من نسب
صغيرة أو كبيرة إلى صحابي فأهون ما يواجهونه به هو الاستتابة وإلا فالقتل...
فإذا كان هذا هو محل النزاع - أي عدالة الكل بلا استثناء أو تصنيفهم إلى
____________________
. ١) الصحيفة السجادية، الدعاء ٤ )
(٥١٨)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
مؤمن أو فاسق، ومثالي أو عادي، إلى زاهد أو متوغل في حب الدنيا، إلى عالم
بالشريعة وعامل بها أو جاهل لا يعرف منها إلا شيئا طفيفا - فيجب تحليل المسألة
على ضوء الكتاب والسنة، مجردين عن كل رأي مسبق، لا يقودنا في ذلك إلا
الدليل الصحيح والحجة الثابتة، ولأجل إماطة الستر عن وجه الحقيقة نذكر
أمورا:
الصحابة في القرآن الكريم
١ - إن القرآن الكريم يصنف الصحابة إلى أصناف مختلفة، فهو يتكلم عن

السابقين الأولين، والمبايعين تحت الشجرة، والمهاجرين المهجرين عن ديارهم
وأموالهم، وأصحاب الفتح، إلى غير ذلك من الأصناف المثالية، الذين يثني عليهم
ويذكرهم بالفضل والفضيلة، وفي مقابل ذلك يذكر أصنافا أخر يجب أن لا تغيب
عن أذهاننا وتلك الأصناف هي التالية:
.( ١ - المنافقون المعروفون ( ١
.( ٢ - المنافقون المتسترون الذين لا يعرفهم النبي (صلى الله عليه وآله) ( ٢
.( ٣ - ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب ( ٣
.( ٤ - السماعون لأهل الفتنة ( ٤
.( ٥ - المسلمون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ( ٥
____________________
. ١) المنافقون: ١ )
. ٢) التوبة: ١٠١ )
. ٣) الأحزاب: ١١ )
.٤٧ - ٤) التوبة: ٤٥ )
. ٥) التوبة: ١٠٢ )
(٥١٩)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
.( ٦ - المشرفون على الارتداد عندما دارت عليهم الدوائر ( ١
.( ٧ - الفاسق أو الفساق الذين لا يصدق قولهم ولا فعلهم ( ٢
.( ٨ - المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم ( ٣
٩ - المؤلفة قلوبهم الذين يظهرون الإسلام ويتآلفون بدفع سهم من الصدقة
.( إليهم لضعف يقينهم ( ٤
.( ١٠ - المولون أمام الكفار ( ٥
هذه الأصناف إذا انضمت إلى الأصناف المتقدمة، فإنها تعرب عن أن صحابة
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا على نمط واحد، بل كانوا مختلفين من حيث
قوة الإيمان
وضعفه، والقيام بالوظائف والتخلي عنها، فيجب إخضاعهم لميزان العدالة الذي
توزن به أفعال جميع الناس، وعندئذ يتحقق أن الصحبة لا تعطي لصاحبها منقبة
إلا إذا كان أهلا لها، وتوضح بجلاء أن محاولة المساواة في الفضل بين جميع الصحابة
أمر فيه مجافاة صريحة للحق وكلمة الصدق، وهذا ما ذهبت إليه الشيعة، وهو
نفس النتيجة التي يخرج بها الإنسان المتدبر للقرآن الكريم.

٢ - إن الآيات التي تناولت المهاجرين والأنصار وغيرهم بالمدح والثناء،
لا تدل على أكثر من أنهم كانوا حين نزول القرآن مثلا للفضل والفضيلة، ولكن
الأمور إنما تعتبر بخواتيمها، فيحكم عليهم - بعد نزول الآيات - بالصلاح والفلاح
إذا بقوا على ما كانوا عليه من الصفات، وأما لو ثبت عن طريق السنة أو التاريخ
الصحيح أنه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته، فحينئذ لا مندوحة لنا إلا الحكم
____________________
. ١) آل عمران: ١٥٤ )
. ٢) الحجرات: ٦، السجدة: ١٨ )
. ٣) الحجرات: ١٤ )
. ٤) التوبة: ٦٠ )
.١٦ - ٥) الأنفال: ١٥ )
(٥٢٠)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
بذلك، ولا يعد مثل ذلك معارضا للقرآن الكريم، لأنه ناظر إلى أحوالهم في ظروف
خاصة، لا في جميع فصول حياتهم، فليس علينا رفع اليد عن السنة والتاريخ
الصحيح بحجة أن القرآن الكريم مدحهم، وأن الله تعالى كان في وقت ما راضيا
عنهم، لما عرفت من أن المقياس القاطع للقضاء هو دراسة جميع أحوالهم
وإخضاعها للقرآن والسنة، فكم من مؤمن زلت قدمه في الحياة، فعاد منافقا، أو
مرتدا، وكم من ضال شملته العناية الإلهية، فبصر الطريق وصار رجلا إلهيا.
وبالجملة: فمن ثبت عن طريق الدليل الصحيح انحرافه وزيغه عن الصراط
المستقيم وشوب إيمانه بالظلم والعيث والفساد، فيؤخذ بما هو الثابت في ذينك
المصدرين، وأما من لم يثبت زيغه فلا نتكلم في حقه بشئ سوى ما أمر الله به
سبحانه من طلب الرحمة لهم حيث قال: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
.( بالإيمان} ( ١
٣ - ومن سوء الحظ أن شرذمة قليلة من الصحابة زلت أقدامهم وانحرفوا عن
الطريق، فلا تمس دراسة أحوال هؤلاء القليلين، وتبيين مواقفهم، وانحرافهم عن
الطريق المستقيم بكرامة الباقين، ولعل عدد المنحرفين (غير المنافقين) لا يتجاوز
العشرة إلا بقليل.
أفيسوغ في ميزان العدل رمي الشيعة بأنهم يكفرون الصحابة ويفسقونهم
بحجة أنهم يدرسون حياة عدة قليلة منهم ويذكرون مساوئ أعمالهم، وما يؤاخذ
عليهم على ضوء الكتاب والسنة والتاريخ الصحيح.
وما نسب إلى الحسن البصري فهو أولى بالإعراض عنه، إذ لو كانت النجاة في
ترك ذكرهم، فلماذا اهتم ببيان أفعالهم وصفاتهم التاريخ المؤلف بيد السلف الصالح
____________________
. ١) الحشر: ١٠ )
(٥٢١)
http://www.ShiaOnlineLibrary.com
الذين كانوا يحترمون الصحابة مثلما يحترمهم الخلف؟ فلو كان الحق ترك التكلم
فيهم وإعذارهم بالاجتهاد، فلماذا وصف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعضهم
بالارتداد، كما
.( رواه البخاري وغيره؟ ( ١
وإذا دار الأمر بين كون القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله) أسوة، أو الكلمة المأثورة عن
الحسن البصري، فالأول هو المتعين، ويضرب بالثاني عرض الجدار.
الردة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)
بقيت هنا كلمة وهي: إذا كان موقف الشيعة وأئمتهم من الصحابة ما ذكر آنفا،
فما معنى ما رواه أبو عمرو الكشي من أنه ارتد الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
إلا ثلاثة؟ إذ
لو صح ما ذكر، وجب الالتزام بأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم ينجح في دعوته،
ولم يتخرج
من مدرسته إلا قلائل لا يعتد بهم في مقابل ما ضحى به من النفس والنفيس.
والإجابة على هذا السؤال واضحة لمن تفحص عنها سندا ومتنا، فإن ما رواه
لا يتجاوز السبع روايات، وهي بين ضعيف لا يعول عليه، وموثق - حسب
اصطلاح علماء الإمامية في تصنيف الأحاديث - وصحيح قابلين للتأويل، ولا
يدلان على الارتداد عن الدين، والخروج عن الإسلام بل يرميان إلى أمر آخر.
أما الضعيف فهو ما رواه الكشي عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير قال: حدثنا
محمد بن عثمان، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كان
الناس
.( أهل الردة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة... " ( ٢
وكفى في ضعفها وجود محمد بن عثمان في سندها، وهو من المجاهيل.